أبو نصر الفارابي

62

كتاب السياسة المدنية

وكذلك يعطي أيضا كل واحد ما يحفظ به وجوده إما أن يجعل مع صورته التي بها وجوده قوة أخرى وإما أن يجعل ما يحفظ به وجوده في جسم آخر خارج عنه فيحفظ وجوده بأن يحفظ عليه ذلك الجسم الآخر المجعول لهذا . وذلك الآخر هو الخادم لهذا في حفظ وجوده عليه ويكون حفظ وجوده عليه إما بخدمة جسم واحد له وإما بتعاون أجسام كثيرة معدة لأن يحفظ بها وجوده . وكثير من الأجسام يقترن إليها مع ذلك قوى أخر تفعل بها من المواد أشباهها بأن تعطيها صورا شبيهة بالصور التي لها . وهذه المواد ربما صادفها الفاعل وفيها أضداد الصور التي نحوها شأن الفاعل أن يحركها ، فيحتاج عند ذلك إلى قوة أخرى يزيل بها تلك الصور المضادة . ولما كان أيضا ليس يمتنع أن يكون غيره يفعل فيه مثل فعله هو في غيره فيلتمس إبطاله كما يلتمس هو إبطال غيره ، يلزم أن يكون في هذه قوة أخرى تقاوم المضاد الذي يلتمس إبطال وجوده ، والذي به يزيل غيره ويسلخه صورته التي بها وجوده قد يكون قوة في ذاته مقترنة إلى صورته التي بها وجوده ، وربما كانت تلك القوة في جسم آخر خارج عن ذاته ، فتكون تلك إما آلة وإما خادمة له في أن تنتزع المادة المعدة له من أضداد ذلك الجسم . مثال ذلك الأفاعي : فإن هذا النوع آلة للأسطقسات أو خادم لها في أن ينتزع من سائر الحيوان مواد الأسطقسات « 1 » . وكذلك القوة التي بها يفعل من المواد شبيهه

--> ( 1 ) ربما يعني هنا سم الأفاعي الذي يقتل الحيوانات ويحول أجسامها إلى أسطقسات .